*خسر البابا شرفاً عظيماً*
*بقلم علي خيرالله شريف*
بعدم زيارة الجنوب اللبناني يكون قداسة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر، قد خسر قداسة زيارة لبنان بعدم زيارة جنوبه،. لأن جنوبه هو صفوة القداسة والطهارة، ويكفيه شرفاً أن ترابه قد جُبِل بدماء الشهداء، وأن فيه كل صلوت الأنبياء، وأن فيه قد مشى المسيح، وبه افتخر محمد، وفيه نشأ فرسان علي والحسين(ع)، ومنه صدح صوت الحق ولمعت سيوف الثورات على الباطل، وقعقعت أصوات النزال في ساحات الشرف.
بحسب ما قرأنا عن برنامج الزيارة، فهي تتضمن زيارة عنايا والقديس مار شربل وبكركي والنصب التذكاري لشهداء المرفأ الذي قصفته إسرائيل. لا اعتراض على كل ما ورد. ولكن الواضح أن الزيارة ليست للبنان بل لطائفة لبنانية. والزيارة ليست لنصرة المقهورين بل للنأي بالنفس عنهم وعن قهرهم، وبالتالي الوقوف على الحياد تجاه قاهريهم. والحياد أمام الظلم هو انحياز للظالمين.
ما معنى الزيارة البابوية إن لم تكن على طريق الجلجلة؟ ما معناها إن لم تتبارك بأرض الجنوب اللبناني الذي قدم الغالي والنفيس من أجل لبنان وتصدياً للمعتدين عليه. وما هدفها إن لم تكن من أجل نصرة الأطفال والنساء، المعتدى عليهم من قبل أكثر بني البشر شراسةً وعدوانيةً وغطرسةً وإجراماً؟
فيا ليته فعلها لنقول أنه سار على درب ربه. لأن السير على درب الرب لا يكون بزيارة جونية واسطنبول فقط، بل يكون بافتتاح الزيارات بفلسطين وغزة وجنوب لبنان وليس اقتصارها على ساحات الرخامة والفخامة.
لقد قرأنا عن سيرة البابا لاوون الرابع عشر أنه لطالما أحب الاقتراب من الفقراء والمغلوب على أمرهم والمقهورين، فلماذا هذه المرة يبتعد عنهم عمداً؟
لا نريد أن نصدق أنه يتماهى مع العدوان. لا نريد أن نصدق أنه لا يعنيه أمر المسحوفين.
ولا نريد أن نصذق أنه يتماهى مع خطة ترامب لفرض السلام على الشعوب بقوة السلاح الأكثر فتكاً وقتلاً وإجراماً، لتخلو الساحات لإسرائيل، تستمتع برائحة الدماء وبمشاهدة الحرائق والدخان والجثث والدمار والمدن المسحوقة.
فليقل أحدهم لقداسة البابا، أن جنوبنا هو قداستنا، وإليه نحج لنشحذ كرامتنا، وإليه نشد الرحال لنرى سيادتنا، ومن ترابه نشم رائحة استقلالنا. هذا الجنوب هو رحيق جبل عامل وروحه وريحانه، وهو ما تبقى من سيادة في وطن الأرز، وفيه تعلمنا المعنى الحقيقي لرسالة المسيح(ع) ، وفيه استقينا جوهر رسالة محمد(ص) وتعلمنا معاني ثورة الحسين(ع) ومن هوائه العليل تنشقنا عبير الحرية والإنسانية والإيمان الحقيقي باللع ورسله وقِيَمِهِ الأسمى.
إن الجنوب هو عنوان كرم الضيافة ورونق البشاشة، وهو وجه لبنان الحضاري بأجمل صوره وأسمى معانيه، فلا يضيره تقاعس الزائرين عن واجب القدوم إليه، لأن هؤلاء الزائرين كما يبدو لا يضيرهم عدم بلوغ شرف الزيارة ولا يضيرهم نقصان زيارتهم من التبرُّكِ بترابه المقدَّس، وينقصهم الشرف العظيم بامتناعهم عن زيارته.
الجمعة ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥


